احمد احمد بدوي
23
من بلاغة القرآن
إلى النص النثرى برمته ، وإلى القصيدة كلها ، فقد وضع له الأقدمون علمين هما علم الشعر ، وعلم النثر . وقل من كتب من العلماء في هذين العلمين . ولعلنا نستطيع أن ندخل في علم النثر دراسة الأساليب وألوانها ، وما يجب أن يكون هناك من صلة بين الأسلوب والموضوع ، وندخل فيه كذلك دراسة خصائص كل فن من فنونه ، فندرس المقالة ، والقصة ، والرواية ، والرسالة ، والخطبة ، مبينين ميزة كل لون من هذه الألوان ، لا من الناحية اللفظية فحسب ، ولكن من الناحية المعنوية كذلك ، فنرسم منهج كل نوع في تناول معانيه . ونستطيع أن ندخل في علم الشعر تنوع بحوره ، ومناسبة كل بحر لعاطفة خاصة ، وموضوع خاص ، وندخل فيه أيضا حديثا عن القافية ووحدتها أو تعددها ، وأثرها الموسيقى ، وحديثا عن ألوان الشعر ، من عاطفى ، وروائي ، وقصصى ، وما يمتاز به كل لون من خصائص وسمات ، مع العناية التامة بناحية المعاني وطرق تناولها ، كما ندرس كذلك معنى العاطفة وأنواعها ، وألوان الخيال ، وقيمة الحقائق في النصوص الأدبية . وقد ألم القدماء ببعض هذه النواحي ولكنهم لم يوفوها حقها من البحث والتحليل . ولم ينس القدماء أن الأدب يعتمد على المعرفة ، وأن الأديب محتاج إلى أن يلم بخلاصة وافية لمختلف الثقافات ، فذكروا من بين علوم الأدب ، علم المحاضرات ، يريدون ما يعبرون عنه ، بأن على الأديب أن يأخذ من كل فن بطرف ، وهذه المعارف هي التي يتكئ عليها الأديب في تصوير شعوره بالجمال أو بالقبح ، ولذا ترى الأديب في حاجة إلى علم النفس ، والتاريخ ، والاجتماع ، مثلا عندما يضع رواية تمثيلية ، يحلل فيها نفوس الشخصيات ، أو يصف عصرا من عصور التاريخ ، أو يتناول مشكلة من مشاكل الاجتماع ، وهو محتاج إلى تلك العلوم وغيرها ، عندما يضع قصة ، أو أقصوصة ، أو عندما يضمن إنتاجه حقيقة من حقائق الحياة . وهنا يجدر بنا أن نبين أن الشاعر أو الكاتب ، قد يوحى إليه شعوره تفسيرا لمظهر من مظاهر الكون يخالف تفسير العلم له ، فيوزن الأديب حينئذ بمقدار طبيعة هذا الشعور وصدقه ، لا بمقدار ما فيه من الحقائق . خذ مثلا لذلك قول شوقى يناجى النيل : من أي عهد في القرى تتدفق * وبأي كف في المدائن تغدق ؟ ! ومن السماء نزلت ، أم فجرت من * عليا الجنان جداولا تترقرق ؟ !